
فى سوق يتمتع بإمتلاك أكبر اللاعبين فى صناعة التشييد بحجم ضخم من الشركات الكبرى التى فرضت نفسها على الساحة الدولية كناقل هام للخبرات الثقيلة والقدرات المتميزة فى البناء والتعمير والتجارب الحديثة فى بناء مجتمعات متكاملة.. يدخل القطاع مرحلة جديدة من حصار التحديات والفرص وتجدد المخاطر المستقبلية مرة أخرى ، إذ تدفع التوترات العالمية والصراعات الدولية حاليا إلى طرح تساؤلات عديدة على أجندة صناعة التشييد والبناء ومستقبلها وفرص نموها محليا ومستقبل تصديرها للخارج .. وإلى أى مدى ستفرض تلك الأوضاع رسم ملامح متغايرة لصناعة التشييد والكيانات العاملة بها وسط تهديدات صريحة لمنافذ الأعمال بالخارج .
ويتلقى القطاع تأثيرات مُباشرة بالأحداث العالمية إنعكست على تحريك أسعار الوقود التى تُضيف زيادات مالية جديدة على الشركات تزامنا مع زيادة واضحة فى تكلفة عمليات الإنشاء بنسب تتراوح بين 15 إلى 20 % ، وزيادات صريحة فى خامات البناء الأساسية كالحديد والأسمنت بنسب تُقدر بـ 60% ، إلى جانب زيادة 50 % بالمكونات المستوردة اللازمة للصناعة ، وهو ما يفرض على القطاع مواجهة تحديات جديدة تُشكل عبئا أساسيا على مستوى السيولة المالية للشركات وقدراتها على الإلتزام بالبرامج الزمنية للمشاريع المتعاقد عليها.
وعلى المستوى الخارجى ، أصبحت منافذ الخارج أمام صناعة التشييد تواجه تهديدات مباشرة فى ظل استهداف واضح لدول الشرق الأوسط والتى تمتلك فرصا تنموية متعددة، وتضم نسبة كبيرة من تواجد الشركات المصرية بالخارج، وتحديدا بداخل أسواق عمان وليبيا والعراق وقطر والسعودية التى تستحوذ على النصيب الأكبر من الشركات المصرية بمشاريع عملاقة، ووسط تجدد المخاطر لتبعات الصراعات العالمية ودخول المنطقة فى قلب الأحداث باستهدافات واضحة على مصادر الطاقة ، تواجه صناعة البناء تخوفات جديدة فى ملف التصدير والتوسع بالخارج، إذ تتأثر مواقع الإنشاءات خارجيا بإضطرابات الأحداث العالمية وتُنذر عدم استقرار الأوضاع السياسية وتذبذب القرارات بإحتمالية توقف بعض الأعمال وهو ما يُجدد الحصار فى الأعمال الخارجية، إذ أن أغلب المشاريع تم التعاقد عليها مع جهات حكومية وكيانات كبرى وهو ما يثير تخوفات لمستقبل هذه الأعمال وآليات تنفيذها .
كيف يحلل الخبراء قياسات الوضع الراهن وفرص التحولات المستقبلية أمام صناعة البناء والتعمير ؟
المهندس محمد سامى سعد، رئيس الاتحاد المصرى لمقاولى التشييد والبناء ، أكد أن أحداث الصراعات العالمية أثارت توترات قوية على مستوى السوقيين المحلية والخارجية أم صناعة المقاولات ، إذ أسفرت تلك الصراعات عن دخول القطاع مرحلة أخرى فى مرحلة جديدة من التضخم وسط إعادة تسعير لكافة مدخلات البناء تأثرا برفع أسعار المحروقات بالسوق المحلية وهو ما يُنذر بزيادات ملموسة على تكلفة تنفيذ العمليات الإنشائية فى مختلف المشروعات بنسب تتراوح بين 15 إلى 20 % ، مضيفا أنه على المستوى الخارجى لاشك من وجود قلق وتوترات بشأن استمرارية مواقع الإنشاءات وسط دخول دول الخليج فى قلب الصراعات وتأثر العديد من مواقع المشروعات بشكل مباشر وغير مباشر بالأحداث، لافتا إلى أن استهداف مصادر الطاقة بالأساس فى تلك الصراعات الدولية يؤكد أن كافة الدولة ستكون مجبرة على الدخول فى مصاعب مدمرة خلال الفترة المقبلة ، وهو ما يستدعى إعادة النظر بالخطط المستقبلية للشركات وتوسعاتها فى الأسواق الخارجية.
صناعة المقاولات تدخل مرحلة جديدة من التضخم
وقال أن تصاعد الصراعات العالمية وعدم وجود ضمانات سياسية من الدول الأطراف فى دارة تلك الصراعات يؤكد أن كافة الأوضاع الاقتصادية ستكون مُقبلة على تغيرات واضحة فى خطط العمل والنمو وكذلك سيكون هناك تغيرات فى تحولات رؤوس الأموال وتوجهات الاستثمارات ،ولاشك أن التنمية فى قطاعات العقارات والسياحة ستشهد تغييرات واضحة على مستوى الأسعار ومؤشرات النمو أيضا.
وعلى الجانب المحلى، قال أن قطاع المقاولات يواجه تحديات قوية على مستوى الأسعار والتى تؤثر بشكل أساسى على الملاءة المالية للشركات، إلى جانب ما يواجهه القطاع من أزمة تأخر صرف المستحقات المالية عن أعماله بسبب نقص السيولة ، وهو ما يُشكل ضغطا إضافيا على الأوضاع المالية للشركات فى الوقت الحالى ، موضحا أن 50 % من مكونات صناعة التشييد تُعد خامات مستوردة بالاعتماد على الإليكتروميكانيكال الذى يُشكل عنصرا أساسيا فى مكونات المشاريع، كما أن 60 إلى 70 % من تسعير الأسمنت يتوقف على تحركات أسعار الطاقة إذ تعمل بعض المصانع بالاعتماد على طاقة الغاز وأخرى بالاعتماد على طاقة الفحم ، كما أن تكوين صناعة الحديد والتى تعتمد على البليت المستورد ستتأثر أيضا بإرتفاع الدولار فى الوقت الراهن ، وهو ما سيرفع سعر الحديد كثانى مكون أساسى فى صناعة البناء بعد الأسمنت.
تابع: أنه بالنظر إلى ملف التصدير بالخارج، فإن حجم أعمال شركات المقاولات المصرية بالدول الخارجية يتراوح بين 8 إلى 10 مليار دولار تقريبا حتى 2026، وتتنشر الشركات بداخل أسواق دول ليبيا والعراق وعمان وقطر بالإضافة إلى السعودية التى تستحوذ على ضم أغلب الشركات الكبرى، فضلا عن الانتشار بعدد من الدول الأفريقية ، مشيرا إلى أن تطورات الصراعات العالمية والتغيرات السياسية المُرتقبة ومدى اتساع رقعة الصراع سيكون عنصرا أساسيا فى تحديد أوجه التغيرات التى ستطرأ على فرص التصدير ومستقبل الشركات خارجيا .
الأسواق الأفريقية ملجأ أمناً أمام خطط شركات المقاولات فى التوسع
وفى سياق متصل ، قال المهندس حسن عبد العزيز ، رئيس الاتحاد الأفريقى لمنظمات مقاولى التشييد ، أن الرهان على الأسواق الأفريقية فى دعم خطط شركات المقاولات المصرية والأفريقية للتوسع ونمو أعمالها سيظل الحصان الرابح فى المستقبل القريب ، فى ظل إحتياج حقيقى للتنمية والتعمير بدول القارة وتوجهات من مؤسسات التمويل الدولية لدعم التمويل والمنح المالية للبرامج التنموية الجادة بالقارة والتى تُركز على تحسين مستوى المعيشة للمواطنين وبناء اقتصادات قوية والتركيز على المشاريع التنموية فى مجالات الطاقة والبنية التحتية والإسكان والتعليم والصحة أيضا .
وأكد أن مصر تمتلك تواجدا لعددا كبيرا من الشركات الكبرى فى مجالات البناء فى أسواق الشرق الأوسط، وتحديدا بداخل الإمارات والكويت والسعودية والعراق وعدد قليل من الشركات فى دولة قطر، موضحا أن التطورات الجيوسياسية المتصاعدة ستفرض تبعات بضرورة إعادة النظر فى الخطط المستقبلية لتلك الشركات فى أسواق الخارج بالإضافة إلى تحركات نحو إيجاد حلول للضمان الحفاظ على التوازن وإستمرار الأعمال والتحوط ضد المخاطر، حال تمادى الفترة الزمنية لتلك الأحداث وإتساع رقعتها .
وأوضح أن تصاعد أحداث الصراعات الإقليمية يُنذر بإحتمالية توجه الشركات لإعادة النظر بخططها المستقبلية بشأن التواجد فى منطقة الخليج خلال 2026 وبحث حلول للحفاظ على استقرار أوضاعها وتوسعاتها بالخارج، مشيرا إلى أن السوق المحلية يعود مرة أخرى إلى أزمات التضخم وارتفاع المخاطر فى كافة العمليات الإنشائية فى ظل سيناريو مواجهة أزمات ارتفاع أسعار خامات البناء وصعوبة توافرها فضلا عن صعوبة توافر الخامات المستوردة اللازمة للصناعة ، إلى جانب ارتفاع أسعار العملة الأجنبية .
الصراعات العالمية تفرض فرص جديدة للبقاء رغم الحذر الاستثمارى
من جانبه قال المهندس رضا بولس ، الرئيس التنفيذى للشركة المصرية الأفريقية العربية للتنمية EGAAD ، أن التغيرات الجديدة التى تطرأ على دول الإقليم تُعيد تشكيل ملامح الأوضاع الاقتصادية وتحركات الاستثمار على كافة المستويات ، وسط ضبابية المشهد الراهن وعدم وجود قرارات سياسية رادعة تُبشر بفترات ه\وء مستمرة بين الدول الأطراف فى تلك الصراعات، وهو ما سيأخذ كافة الدول إلى منحنى آخر يتطلب استراتيجيات مُغايرة فى الحفاظ على القوى الاقتصادية والتحوط ضد الإنهيار وهو السيناريو الأخطرمستقبلا .
وأشار إلى أن صناعة البناء على المستوى المحلى تواجه حاليا تأثير سلبى فى الأسعار التى ارتفعت بسبب إضطراب سلاسل الإمداد وتخوفات دخول العالم فى أزمة طاقة مدمرة ، مؤكدا أن اقتصادات كافة الدول ستتأثر سلبا بإنخفاض الاستثمار فى المشاريع الجديدة ووجود حذر استثمارى مستمر فى توجهات رؤوس الأموال الكبرى ، فضلا عن توجه بعض المستثمرين إلى الأسواق الأكثر استقرارا وهو ما يخلق فرصا جديدة للبقاء والنمو أمام صناعة البناء والتعمير فى المناطق الآمنة ، مشيرا إلى أنه سيكون هناك تأثيرات دولية أيضا ما إذا كان هناك إحتمالية من أن تقوم الدول التى دخلت فى دائرة الصراعات العالمية من توجيه جانب كبير من سيولتها للتسليح ، الأمر الذى يترتب عليه تغييرات حقيقية ومؤثرة على مختلف الصناعات .
تحديات طويلة الأمد أمام صناعة البناء
وقال المهندس شمس الدين يوسف، رئيس مجلس إدارة شركة الشمس للمقاولات، أن تحليل الوضع الراهن للتطورات القائمة على صعيد الأوضاع الاقتصادية يعكس تحديات طويلة الأمد أمام صناعة البناء مدفوعة بضغوط ارتفاع التكاليف ليس فقط فى عمليات التنفيذ بالمواقع الإنشائية ولكن أيضا فى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالميا نتيجة التوترات الجيوسياسية، ما ينعكس سلبا بزيادات قوية على تكلفة استيراد بعض المواد والمدخلات المستوردة في قطاع البناء.
أشار إلى أن الشركات العاملة بالقطاع ستواجه ضغوطا كبيرة فى ظل ارتفاع التكاليف ، وهو ما قد يدفع القطاع لإعادة طرح حلول بديلة من خلال إدارة الأصول أو تكوين تحالفات جديدة، الى جانب الاعتماد على التعويضات المالية لضمان الاستمرارية فى السوق والالتزام بالتعاقدات المُبرمة على المشاريع الراهنة .