أصبحت التحديات المرتبطة بإرتفاع أسعار الوقود وما يتبعها من تحركات فى أسعار خامات مواد البناء الأساسية والمستوردة أيضا وكذلك تحركات سعر الصرف وتبعات الأزمات والصراعات العالمية ، جزءا ً رئيسيا من واقع صناعة المقاولات ، وإن كانت بعض الكيانات الكبرى بالقطاع قد استلهمت دروسا من آليات مواجهة تلك التحديات على مدار الـ 10 سنوات الماضية والتى شهدت طفرة قوية ونموا غير مسبوق فى سوق الإنشاءات المصرية رافقتها تحديات اقتصادية وأزمات عالمية إنعكست على تحريك الأسعار وزيادة الأعباء المالية الناتجة عن تزايد تكلفة التنفيذ بمواقع المشروعات .
الزيادة الأخيرة فى أسعار الوقود كانت متوقعة أمام صناعة المقاولات فى ظل تسارع أحداث الصراعات العالمية الأخيرة واستهدافها ضرب مصادر الطاقة بشكل رئيسى وجر كافة الدول إلى أزمة عالمية مُدمرة يقودها “ملف الطاقة” فى الفترة المقبلة .
ووسط تلك الأحداث .. تُثار العديد من التساؤلات حول قدرة صناعة البناء على استيعاب تبعات الأزمات العالمية المتلاحقة والقرارات الاقتصادية التابعة لها ، وكيف تضمن صناعة المقاولات ضبط أوضاعها وتحقيق توازنا بالأسعار وقدرة على إدارة مشروعاتها دون الزحف نحو دائرة الركود ومخاطر توقف الأعمال .
المهندس محمد سامى سعد ، رئيس الاتحاد المصرى لمقاولى التشييد والبناء ، قال أن تكلفة تنفيذ المشروعات الإنشائية ستزيد بنسب تتراوح بين 15 إلى 20 % تأثرا بإرتفاع أسعار الطاقة ، والتى تؤثر على تحريك أسعار كافة خامات ومدخلات مواد البناء بصورة مباشرة ، وهو ما يُشكل تحديا إضافيا لما يُعانيه القطاع من أزمة فى أسعار خامات البناء .
وأكد أن 50 % من مكونات صناعة التشييد تُعد خامات مستوردة بالاعتماد على الإليكتروميكانيكال الذى يُشكل عنصرا أساسيا فى مكونات المشاريع، كما أن 60 إلى 70 % من تسعير الأسمنت يتوقف على تحركات أسعار الطاقة إذ تعمل بعض المصانع بالاعتماد على طاقة الغاز وأخرى بالاعتماد على طاقة الفحم ، بالإضافة إلى أن تكوين صناعة الحديد والتى تعتمد على البليت المستورد ستتأثر أيضا بإرتفاع الدولار فى الوقت الراهن ، وهو ما سيرفع سعر الحديد كثانى مكون أساسى فى صناعة البناء بعد الأسمنت.
وأوضح أن 65% من التكلفة الصناعية فى خامات البناء الرئيسية ترتبط مباشرة بأسعار الطاقة، متوقعا زيادة فى أسعار كافة الخامات المستوردة وخاصة بعد إضطراب سلاسل الإمداد تأثرا بالتداعيات المتسارعة للأحداث العالمية.
وقد أعلنت الحكومة اليوم عن رفع أسعار بعض المنتجات البترولية وغاز تموين السيارات 3 جنيهات دفعة واحدة، في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً، وقالت إن هذه الزيادة تأتى في ضوء الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدت إلي ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي ، كما أضافت أن الاضطرابات في سلاسل الإمداد، وارتفاع مستويات المخاطر، وزيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين، قد أسفرت عن قفزة كبيرة في أسعار البترول الخام والمنتجات البترولية عالميًا، وهي مستويات لم تشهدها اسواق الطاقة منذ سنوات ، وأوضحت الحكومة إنها تتابع عن كثب تطورات الأسواق والتكلفة، في إطار العمل علي استدامة إمدادات المنتجات البترولية والغاز للمواطن وجميع قطاعات الدولة.
ومن جانبه قال المهندس رضا بولس ، الرئيس التنفيذى للشركة المصرية الأفريقية العربية للتنمية EGAAD ، أنه كان من المتوقع أن تواجه سوق المقاولات محليا تأثيرات سلبية فى الأسعار فى وقت قريب ، وتُصبح أزمة ارتفاع أسعار البترول والتوجه للاستثمار فى المعادن كالذهب والفضة وانخفاض السيولة للمشاريع السياحية الجديدة وارتفاع سعر الطاقة لتوقف تدفق الغاز، أحد أبرز الانعاكاسات المباشرة لتلك الصراعات ، وما يترتب عليها من ارتفاع المواد الخام والإبطاء من وتيرة الإنشاء فى المشاريع الجديدة والحذر الاستثمارى فى الفترة القليلة المقبلة ، مضيفا أنه فى الوقت القصير لا محال من شهود تضخم فى سعر مواد الإنشاء والطاقة .
وأوضح أن الولايات المتحدة قد أمنت سلاسل الإمداد النفطى من فينزويلا قبل بدء تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية والتى أدخلت منطقة الشرق الأوسط فى صراعات عسكرية ، وذلك لكى لا يحدث تضخم فى سوقها المحلى .
وفى سياق متصل ، قال المهندس حسن عبد العزيز، رئيس الاتحاد الأفريقى لمنظمات مقاولى التشييد ، أن التطورات الجيوسياسية المتصاعدة ستفرض تبعات بضرورة إعادة النظر فى الخطط المستقبلية لشركات المقاولات المصرية على المستويين المحلى والخارجى ، كما تستدعى تلك الأوضاع التوجه تحركات جادة نحو إيجاد حلول لضمان الحفاظ على التوازن وإستمرار الأعمال والتحوط ضد المخاطر، حال تمادى الفترة الزمنية لتلك الصراعات أو إتساع رقعتها .
وأوضح أنه من المحتمل أن تُخلف الصراعات الإقليمية الراهنة تغيرات فى استراتيجيات الشركات وتُنذر بإحتمالية توجه الشركات لإعادة النظر بخططها المستقبلية بشأن التواجد فى منطقة الخليج خلال العام الجارى وبحث حلول للحفاظ على استقرار أوضاعها وتوسعاتها بالخارج، مشيرا إلى أن السوق المحلية يترقب عودة مرة أخرى إلى أزمات التضخم وارتفاع المخاطر فى كافة العمليات الإنشائية فى ظل السيناريو المتوقع لمواجهة أزمات تتعلق بارتفاع أسعار خامات البناء وصعوبة توافرها فضلا عن صعوبة توافر الخامات المستوردة اللازمة للصناعة ، إلى جانب ارتفاع أسعار العملة الأجنبية .
وبصفة عامة ، فقد أصبح فكر إدارة المخاطر بصورة إستباقية عنصرا إلزاميا أمام كافة شركات المقاولات لدعم قدراتها على تخطى الأزمات بصفة مستمرة ، خاصة وأن صناعة البناء فى مصر لاتزال تمتلك فرصة حقيقية للتحول إلى مُصدر منتظم لتجارب البناء الحديثة وخدمات الاستشارات الهندسية فى المنطقة العربية والسوق الأفريقية أيضا ، وذلك من خلال الاعتماد على عدة محاور أساسية ، تشمل التالى :
- تنويع مصادر الموردين وعدم الاعتماد على مصدر واحد للمواد الخام، والحرص على بناء شبكة توريد متعددة المصادر محليًا وإقليميًا، بما يحدّ من حساسية التكلفة تجاه التغيّرات المفاجئة في سوق بعينه ويعزّز استمرارية الإمداد وتوازن الأسعار .
- رفع كفاءة التنفيذ وجودة إدارة المشروعات، بالحرص على التركيز على تقليل الهدر فى المواقع وتحسين التخطيط اللوجيستى وإدارة سلال الإمداد بما يضمن امتصاص جزء من زيادة الأسعار عبر تحسين كفاءة التشغيل والإنتاجية .
- الحرص على إدارة تعاقدات مرنة من خلال التركيز على العقود الكبرى طويلة الأجل والتى تشمل بنودا واضخة لمعالجة تغيرات الأسعار وفروق العملة ، وهو ما يفرض إطارا يحقق التوازن العامل بين مصلحة جهة الإسناد ومصلحة المقاول أيضا ، ويضمن استمرارية تنفيذ المشروعات دون تعطل أو ركود .